علي بن محمد البغدادي الماوردي

115

النكت والعيون تفسير الماوردى

أما الصبر : فهو حبس النفس عما تنازع إليه ، ومنه صبر صاحب المصيبة ، أن يحبس نفسه عن الجزع ، وسمّي الصوم صبرا لحبس النفس عن الطعام والشراب ، ولذلك سمّي شهر رمضان شهر الصبر ، وجاء في الحديث : « اقتلوا القاتل ، واصبروا الصّابر » « 159 » ، وذلك فيمن أمسك رجلا حتى قتله آخر ، فأمر بقتل القاتل ، وحبس الممسك . وفي الصبر المأمور به ، قولان : أحدهما : أنه الصبر على طاعته ، والكف عن معصيته . والثاني : أنه الصوم ، وقد كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر استعان بالصلاة « 160 » والصيام ، وروي أنه رأى سلمان منبطحا على وجهه ، فقال له : أشكو من برد . قال : « قم فصلّ الصلاة تشف » « 161 » . وأما قوله تعالى : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ففيه ثلاثة أقاويل : أحدها : يعني : وإن الصلاة لثقيلة إلا على المؤمنين ، لعود الكناية إلى مؤنث اللفظ .

--> ( 159 ) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث ( 1 / 254 ) والبيهقي في السنن ( 8 / 50 ) من حديث إسماعيل بن أمية . قال الإمام السيوطي في الجامع الكبير ( 1 / 133 ) بعد نسبته للبيهقي وأبي عبيد « عن إسماعيل بن أمية مرسلا » . قلت : بل هو معضل فإن إسماعيل من أتباع التابعين . ( 160 ) ورد من حديث حذيفة رضي اللّه عنه بلفظ « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر صلى » رواه أحمد في المسند ( 5 / 388 ) وأبو داود ( 1319 ) والطبري ( 2 / 12 ) برقم ( 850 ) وصححه الشيخ أحمد شاكر وأما ما ذكره المؤلف هنا من زيادة والصيام فلم أهتد إليها ولعله ذكر ذلك من نصوص القرآن العامة التي تحث على الطاعة عند نزول البلاء . ( 161 ) هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ورد لكن الذي قال له النبي ذلك هو أبا هريرة رضي اللّه عنه وقد رواه الطبري معلقا ( 2 / 13 ) وأحمد برقم ( 9054 ، 9229 ) وابن ماجة برقم ( 3458 ) وفي سنده عند الكل ذواد أبي المنذر وضعفه ابن معين فقال ليس بشيء وقال البخاري فيه : يخالف في بعض حديثه ونقل البخاري في التاريخ الصغير ( ص 214 ) عن ابن الأصبهاني أنه قال ورفعه ذواد [ أي الحديث ] وليس له أصل وأبو هريرة لم يكن فارسيا إنما مجاهد فارسي . قال الشيخ أحمد شاكر : فهذا تعليل دقيق من ابن الأصبهاني ثم من البخاري يقضي بضعف إسناد الحديث مرفوعا ثم هذه اللفظة الموجودة في الحديث وردت بألفاظ مختلفة : ففي رواية : اشكنب‌درد يعني تشتكي بطنك ووردت بألفاظ أخرى أنظرها في الطبري ( 2 / 13 ، 14 ) .